من أروع المواقف وأجمل المناسبات التي شهدها تاريخ فجر الإسلام أن أول عيد تعيد به المسلمون في حياتهم هو العيد الذي وقع في شوال سنة 2 هجرية، إثر الفتح المبين الذي حصلوا عليه في غزوة بدر، فما أروع هذا العيد السعيد الذي جاء به الله بعد أن توج هامتهم بتاج الفتح والعز، وما أروق منظر تلك الصلاة التي صلوها بعد أن خرجوا من بيوتهم يرفعون أصواتهم بالتكبير والتوحيد والتحميد، وقد فاضت قلوبهم رغبة إلى الله، وحنينا إلى رحمته ورضوانه بعد ما أولاهم من النعم، وأيدهم به من النصر، وذكرهم بذلك قائلاً: ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون).
النص أعلاه مقتبس من كتاب " الرحيق المختوم " لصفي الرحمن المباركفوري رحمه الله بقليل من التصرف، ولنا فيه فوائد إذا ما قمنا بمقارنة ذلك الواقع بواقع المسلمين اليوم
ما أجمل العيد الذي يأتي بعد النصر والظفر على الأعداء، وأعيادنا الآن أصبحت تأتى بعد الهزائم المتكررة في شتى المجالات: في المجال العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي ... إلخ .. حتى أصبح معظمنا على يقين بأننا جزء من (أمة الهزائم) والمتفائل منهم يقول نحن نعيش (عصر الهزائم) وآية الأنفال المذكورة في أول المقال لا تشير إلى هذا التشاؤم، ولكنها تبيّن سنة الله تعالى في خلقه.. إن الدعوة إلى الله تعالى تبدأ صغيرة ثم ما تلبث أن تنمو شجرتها وتترعرع فتكبر وتخضر وتثمر ثم تعدو عليها عوادي الدهر فتيبس وتتحطم .. ثم ما تلبث أن تعود للاخضرار مرة أخرى، في دورة متناسقة بين العز والتمكين حيناً والذل والاستضعاف حيناً آخر، ولكل أسبابه، فمتى أخذ المسلمون بأسباب النصر كان النصر حليفهم ، ومتى حصل السقوط في الآثام والمعاصي كان الذل حليفهم، فالله تعالى لا يحابى أحداً - سبحانه - وهو الذي يقول:(إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).
كان العيد يومها بعد نصر وعز وفتح، ويأتي عيدنا هذا العام ونحن في أضعف حالات الذل والتمزق .. أوطان المسلمين محتلة في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان، والعدو الصهيوني الصليبي يجثم على صدورهم .. يقتل أبناءهم .. ويمتص دماءهم .. وينهب خيرات أراضيهم من نفط وفاكهة وثمر. إلا أن الثقة في الله يجب أن تكون متوفرة وأن العيد يعنى بالنسبة لنا شعيرة تعبدية نؤديها كما أمر الله جل وعلا مستشعرين في ذلك أن علينا أن نعمل من أجل تغيير واقعنا البئيس، والله مؤيدنا .
نقطة ثانية نستفيدها من نص (الرحيق المختوم).. أن القائد المنتصر هنا هو الرسول صلى الله عليه وسلم، إنه خرج في عيده ولم يفعل ما اعتاد القادة المنتصرون أن يفعلوه من عزف الموسيقى وأهازيج النصر وأشعار الطرب والرقص والغناء – والغريب أن الأمة الإسلامية اليوم تطرب وتغني وترقص وهي في قاع الهزيمة – لقد اعتاد قادة الدنيا أن يملأوها ضجيجاً وعجيجاً عند انتصاراتهم ، ولكن (المدينة النبوية) هنا لا تصدح بالموسيقى ولا تجوب شوارعها المواكب الراقصة .. ولكنه التهليل والتوحيد والتحميد والتكبير.. إن تكبيرات العيد هذه والتي بدأت منذ ذلك اليوم الأغر، هي جزء من الجو الإيماني الذي يشيعه الإسلام في الإنسان وما حوله .. صلاة الجمعة والجماعة، قراءة القرآن، الأذكار في السر والعلن، اللهو المباح، المساجد، مدارس تحفيظ القرآن، الصدقات وغيرها تصبغ المجتمع بالصبغة التي أرادها الله له. ولك الآن - أخي القارئ - أن تنظر إلى ما حولك للبحث عن معالم هذه الصبغة في مجتمعك .. هل تجدها ؟ أم أنك تجد أخلاطاً من عادات اليهود وانحلال العلمانيين وتبرج أهل الفساد ... واقع نراه في أعيادنا علينا أن نعمل على تغييره لنشيع ( الجو الإيماني) في العيد .









